منهج السلف - 9 - نعيم بن حماد الخزاعي

0 التعليقات
منهج السلف الصالح في التعامل مع أخطاء العلماء - 9 -

نعيم بن حماد الخزاعي

الإمام، العلامة، الحافظ, الفقيه، صاحب التصانيف؛ نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همام بن سلمة بن مالك؛ أبو عبدالله الخزاعي؛ المروزي؛ الأعور؛ الفارض؛ نزيل مصر.
روى عن: إبراهيم بن طهمان، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وأبي حمزة السكري، وعيسى بن عبيد الكندي، وعبدالله بن المبارك، والفضل بن موسى السيناني، ونوح بن أبي مريم، وهشيم بن بشير، ومعتمر بن سليمان، وخارجة بن مصعب، وجرير بن عبدالحميد، وحاتم بن إسماعيل، وحفص بن غياث،  وخارجة بن مصعب الخراساني، ورشدين بن سعد، وروح بن عبادة، وصالح بن قدامة، وضمرة بن ربيعة، وعبدالله بن إدريس، وعبدالله بن وهب، وعبدالرزاق بن همام، وعبدالسلام بن حرب الملائي، وعبدالعزيز بن محمد الدراوردي، وعبدالوهاب الثقفي، وعبدة بن سليمان، وعقبة بن علقمة البيروتي، وعيسى بن عبيد الكندي، وعيسى بن يونس، ومحمد بن شعيب بن شابور، ومحمد بن فضيل، ووكيع بن الجراح، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سليم الطائفي، وأبي بكر بن عياش، وأبي داود الطيالسي، وأبي معاوية الضرير، ونوح بن قيس، ويحيى بن حمزة، وبقية بن الوليد، وخلق.
روى عنه: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم الرازي، ويعقوب الفسوي، وأحمد بن يوسف السلمي، وأحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، والحسن بن علي الحلواني، وصالح بن مسمار المروزي، ومحمد بن عبدالملك بن زنجويه، ومحمد بن عوف الطائي الحمصي، وعلي بن داود القنطري، وعبدالعزيز بن منيب، وعبيد بن شريك البزار، ومحمد بن إسماعيل الترمذي، وبكر بن سهل الدمياطي، وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب. وخلق.
من أقوال أهل العلم فيه:
1-            قال أحمد: "جاءنا نعيم، ونحن على باب هشيم، نتذاكر المقطعات؛ فقال: جمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فعنينا بها من يومئذ. وكان نعيم كاتباً لأبي عصمة نوح بن أبي مريم. وكان أبو عصمة شديد الرد على الجهمية، ومنه تعلم نعيم بن حماد".
2-            وقال: "قدم علينا نعيم بن حماد؛ فصحبنا على طلب المسند".
3-            وقال يوسف بن عبدالله الخوارزمي: "سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد؛ فقال: لقد كان من الثقات".
4-            وقال ابن معين: "نعيم صدوق؛ رجل صدق؛ أنا أعرف الناس به؛ كان رفيقي بالبصرة؛ كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث".
5-            وقال: "حضرنا نعيم بن حماد بمصر؛ فجعل يقرأ كتاباً من تصنيفه؛ فقرأ ساعة؛ ثم قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون بأحاديث. فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك. فغضب، وقال: ترد علي؟ فقلت: إي والله أرد عليك؛ أريد زينك. فأبى أن يرجع؛ فلما رأيته هكذا لا يرجع؛ قلت: لا والله؛ ما سمعت أنت هذا من ابن المبارك قط، ولا سمعها ابن المبارك من ابن عون قط. فغضب، وغضب من كان عنده من أصحاب الحديث، وقام نعيم فدخل البيت؛ فأخرج صحائف؛ فجعل يقول، وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس أمير المؤمنين في الحديث؟ نعم يا أبا بكر زكريا؛ غلطت، وكانت صحائف؛ فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك؛ عن ابن عون، وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون؛ غير ابن المبارك".
6-            وقال العجلي: "صدوق ثقة".
7-            وقال أبو داود: "عند نعيم نحو عشرين حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليس لها أصل".
8-            وقال النسائي: "مروزي ضعيف".
9-            وقال أبو علي النيسابوري: "سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حمـاد، وتقدمه في العلم، والمعرفة، والسنن؛ ثم قيل له في قبـول حـديثه؛ فقـال: قـد كثر تفـرده عن الأئمـة المعروفين بأحـاديث كثـيرة؛ فصار في حـد من لا يحتـج به".
10-      وقال مسلمة بن قاسم: "كان صـدوقًا، وهو كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة في المـلاحم انفـرد بها".
11-      وقال ابن السمعاني: "كان يهم ويخطئ، ومن ينجو من ذلك؛ ثبت في المحنة".
12-      وقال صالح بن محمد الأسدي: "كان نعيم يحـدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها، وسمعت يحيى بن معين سئل عنه؛ فقال: ليس في الحديث بشيء، ولكنه كان صاحب سنة".
13-      وقال العباس بن مصعب: "نعيم بن حماد؛ وضع كتباً في الرد على أبي حنيفة، وناقض محمد بن الحسن، ووضع ثلاثة عشر كتاباً في الرد على الجهمية، وكان من أعلم الناس بالفرائض".
14-      وقال صالح بن مسمار: "سمعت نعيم بن حماد؛ يقول: أنا كنت جهمياً؛ فلذلك عرفت كلامهم؛ فلما طلبت الحديث عرفت أن أمرهم يرجع إلى التعطيل".
15-      وقال ابن عدي: "قال لنا ابن حماد؛ يعني أبا بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي: نعيم بن حماد يروي عن ابن المبارك؛ ضعيف. قاله أحمد بن شعيب. قال ابن حماد: وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات عن العلماء في ثلب أبي حنيفة كذب. قال ابن عدي، وابن حماد: متهم فيما يقوله لصلابته في أهل الرأي".
16-      وقال: "وكان ممن يتصلب في السنة، ومات في محنة القرآن في الحبس".
17-      وقال الدارقطني: "إمام في السنة كثير الوهم".
18-      وقال ابن حبان: "ربما أخطأ، ووهم".
19-      وقال الخطيب: "يقال: نعيم أول من جمع المسند، وصنف".
20-      وقال الذهبي: "أحد الائمة الأعلام؛ على لين في حديثه".
21-      وقال: "وكان شديداً على الجهمية".
22-      وقال: "كان من أوعية العلم، ولا يحتج به".
23-      وقال: "نعيم من كبار أوعية العلم؛ لكنه لا تركن النفس إلى رواياته".
24-      وقال ابن حجر: "ثبتت عدالته، وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة".
25-      وقال محمد بن سعد: "نزل نعيم مصر؛ فلم يزل بها حتى أشخص في خلافة أبي إسحاق؛ يعني المعتصم؛ فسئل عن خلق القرآن؛ فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه؛ فحبسه بسامراء؛ فلم يزل محبوساً حتى مات في السجن؛ في سنة ثمان وعشرين، ومئتين"..
26-      وقال نفطويه: "كان مقيداً محبوساً لامتناعه من القول بخلق القرآن؛ فجر بأقياده؛ فألقي في حفرة، ولم يكفن، ولم يصل عليه".
27-      وقال أبو بكر الطرسوسي: "أخذ سنة ثلاث أو أربع وعشرين؛ فألقوه في السجن، ومات في سنة سبع وعشرين، وأوصى أن يدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم".
28-      وقال إبراهيم بن أسباط بن السكن: "لما حمل نعيم بن حماد للمحنة؛ كبل بالحديد، وحبس؛ فاجتمع القوم يقولون: من يناظره؟ فاتفقوا على ابن عوف، وكان متكلمهم؛ فلما أصبحوا؛ ركب ابن عوف، واتبعه أصحابه إلى السجن؛ فأخرج نعيم بن حماد؛ فقال له ابن عوف: أقول، أو تقول. قال: أقول. قال: قل: قال: أخبرني عن هذه المقالة التي دعوتم الناس إليها؛ هو رأيك؟ قال: نعم. ورأي الخليفة؟ قال: نعم. قال: فإن رجع الخليفة؛ ترجع أنت عنها؟ قال: نعم. قال: قم؛ فإنك بلا دين؛ دينك دين الملك. قال: فتفرقوا؛ فأقبل أصحابه عليه؛ قالوا: فضحتنا؛ قطعك بكلمة واحدة".
ما أخذه أهل العلم على نعيم:
كان نعيم بن حماد معروفاً بالإمامة في السنة، والتصلب فيها، وأقواله ومواقفه تدل على ذلك؛ منها:
قال: "من ترك حديثاً معروفاً؛ فلم يعمل به، وأراد له علة أن يطرحه؛ فهو مبتدع".
وقال: "من شبه الله بشيء من بخلقه؛ فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر؛ فليس ما وصف الله به نفسه، ورسوله؛ تشبيه".
وقال: "حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى، ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق».
وقال: "{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ لا يشبهه شيء من الأشياء".
وقال: "حدثني ابن أبي العريان؛ عن أبيه؛ قال: قدم علينا حماد بن أبي سليمان البصرة؛ فأتيته مع الناس فدنوت منه؛ قلت: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. قلت: حقاً؟ قال: حقاً. فدنوت منه؛ فجعلت أتمسح به؛ فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت: رأيت مؤمناً حقاً؛ فأحببت أن أتمسح به. وقلت له: ما كان معلمك إبراهيم؛ يقول؟ قال: كان ذاك شاكاً مثلك".
وقال: "رآني ابن المبارك مع رجل من أهل الأهواء؛ فما كلمني؛ فلما كان في غد؛ رآني فأخذ بيدي؛ ثم أنشأ يقول:
يا طالب العلم صارم كل بطال ... وكل غاو إلى الأهواء ميال
إن القرآن كلام الله تعرفه ... ليس القرآن بمخلوق ولا بال
لو أنه كان مخلوقاً لغيره ... ريب الزمان إلى موت وإبطال
وكيف يبطل ما لا شيء يبطله ... أم كيف يبلى كلام الخالق العالي
وقال أحمد بن منصور الرمادي: "سألت نعيم بن حماد عن قول الله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ}؛ ما معناها؟ فقال: معناها أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه؛ ألا ترى أنه قال في كتابه {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرُ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ}".
وقال زكريا بن يحيى بن حمدويه: "سمعت رفيق نعيم بن حماد؛ يقول: لما صرنا إلى العراق، وحبس نعيم بن حماد؛ دخل عليه رجل في السجن من هؤلاء؛ فقال لنعيم: أليس الله قال: {لا تدركه الْأَبْصَارُ وَهُوَ يدرك الْأَبْصَارَ}؛ فقال نعيم: بلى ذاك في الدنيا. قال: وما دليلك؟ فقال نعيم: إن الله هو البقاء، وخلق الخلق للفناء؛ فلا يستطيعون أن ينظروا بأبصار الفناء؛ إلى البقاء؛ فإذا جدد لهم خلق البقاء؛ نظروا بأبصار البقاء إلى البقاء".
وقال إبراهيم بن أبي داود البرلسي: "كنا عند نعيم بن حماد جلوساً؛ فقال نعيم للمزني: ما تقول في القرآن؟ فقال: أقول: إنه كلام الله. فقال غير مخلوق؟ فقال: غير مخلوق. قال: وتقول: إن الله يرى يوم القيامة؟ فقال: نعم. قال: فلما افترق الناس؛ قام إليه المزني؛ فقال: يا أبا عبدالله شهرتني على رؤوس الناس. فقال: إن الناس قد أكثروا فيك؛ فأردت أن أبرئك".
وقال البخاري: "بيَّن نعيم بن حماد؛ أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل؛ فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة؛ فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به، وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً، ومن نحا نحوه؛ ليس بمفارق، ولا مبتدع؛ بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى؛ إذ يفتون بالآراء المختلفة؛ مما لم يأذن به الله".
وقال ابن أبي حاتم: "وجدت في كتاب نعيم بن حماد؛ قال: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله تعالى بعد فناء خلقه: {لِمَنِ الْمُلْكُ اليوم}؛ فلا يجيبه أحد؛ فيرد على نفسه {لِلَّهِ الواحد القهار}، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم؛ أفهذا مخلوق؟".
وقال: "ذكر نعيم بن حماد؛ أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله مخلوقة لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان، ولا وجود لهذه الأسماء؛ ثم خلقها؛ ثم تسمى بها. فقلنا لهم: إن الله قال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى}، وقال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}؛ فأخبر أنه المعبود، ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه؛ فمن زعم أن اسم الله مخلوق؛ فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقاً".
وقال: "احتج بعض المبتدعة؛ بقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} على أن القرآن مخلوق؛ لأنه شيء، وتعقب ذلك نعيم بن حماد، وغيره من أهل الحديث؛ بأن القرآن كلام الله، وهو صفته؛ فكما أن الله لم يدخل في عموم قوله: {كُلِّ شَيْءٍ} اتفاقاً؛ فكذلك صفاته، ونظير ذلك قوله تعالى: {ويحذركم اللَّهُ نَفْسَهُ}؛ مع قوله تعالى: {كل نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ}؛ فكما لم تدخل نفس الله في هذا العموم اتفاقاً؛ فكذا لا يدخل القرآن".
وقال: "إذا فسدت الجماعة؛ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ".
وقال: "إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد؛ فاتهمه في دينه، وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق؛ فاتهمه، وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير؛ فاتهمه في دينه".
إلا أنه أخذ عليه؛ قوله: (لفظي بالقرآن مخلوق) وقد سئل عن ذلك؛ فأجاب بأنه لم يرد بهذا إلا الاحتجاج على الجهمية الذين خبرهم، وعرفهم، ورد عليهم في ثلاثة عشر كتاباً.
كذا ظن رحمه الله، وهو مخطئ في ذلك؛ فإن البدعة لا ترد ببدعة؛ لذا عندما بين له مغبة هذا القول، وطلب منه الرجوع عنه؛ سرعان ما امتثل؛ فلم يعد إليه، وتاب منه.  
روى الخلال عن محمد بن عبدالله الرحبي؛ أنه قال: سمعت مؤملاً - يعني ابن أهاب - يقول: قلت لنعيم بن حماد: ما حملك على هذه الكلمة؛ أن قلت: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: والله ما أرى بها إلا الاحتجاج عليهم؛ فقلت: لا تعد. فقال: أنا أستغفر الله منها؛ ما أردت إلا الاحتجاج بها". ([1])
ومع هذا؛ فلما نما إلى علم الإمام أحمد؛ ما كان يقوله نعيم؛ ما كان منه إلا أن قال: (إن كان قال ذلك؛ فلا غفر الله له في قبره).
قال الخلال: "سمعت أبا بكر المروذي؛ يقول: أتيت أبا عبدالله ليلة في جوف الليل؛ فقال لي: يا أبا بكر؛ بلغني أن نعيماً كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فإن كان قاله؛ فلا غفر الله له في قبره".
قلت:
أحسن الإمام أحمد إذ علق دعاءه على نعيم؛ بثبوت ذلك عنه، وهذا من ورعه وتثبته رحمه الله؛ أما نعيم فقد تراجع، والحمد لله.
والمقصود هنا: بيان شدة السلف على المخالف كائناً من كان؛ فهذا نعيم على إمامته في السنة، وشدته فيها، وثباته في المحنة، ورده على الجهمية؛ لما قال كلمة تحتمل حقاً، وباطلاً، وبحسن قصد؛ دعا عليه أحمد بألا يغفر الله له؛ فلم يلتفت إلى تقدمه، ومكانته، وحسن بلائه، وأصوله السنية، وقواعده السلفية، وهو ما يسمى بمنهج الموازنة، ولم يعتذر له بالأعذار البدعية التي افترعتها المرجئة؛ كحسن القصد، وإقامة الحجة، وعدم تقصد البدعة، والدعوة إليها، والتمحض فيها، والاجتهاد، والتأويل، والجهل، والخطأ، وقصد المحادة، وحب السنة، والمنافحة عنها، واختلاف الزمان، وضعف السنة، وغربة أهلها؛ إلى آخر ما هنالك من بواطيلهم؛ بل حكم عليه بموجب قوله، وإن كان قد تحفظ بقوله: (إن كان قاله).
هذا المنهج الواضح في التعامل مع أخطاء أهل العلم؛ هو الذي نعتني به، ونحرص على إظهاره، وندعو إلى إعماله، وقد سبقنا إلى ذلك: إمام الجرح والتعديل ربيع المدخلي قاتله الله.
فقد قال: "كان السلف؛ إذا وقع المرء في عقيدة الإرجاء؛ أخرجوه عن دائرة أهل السنة، والجماعة، وإذا وقع في عقيدة القدر .. بدعوه".
وقال: "لقد بدع السلف عدداً من العلماء؛ كانوا من كبار أهل السنة؛ بسبب قولهم (لفظي بالقرآن مخلوق) مع موافقتهم لأهل السنة؛ بأن القرآن كلام الله، ومخالفتهم لأهل البدع بأن القرآن مخلوق، وهذه المسألة إنما هي جزئية".
وقال: "التعريف للمبتدع الذي جاء به الدكتور؛ لا أعرفه عن أحد من أئمة الإسلام الذين واجهوا البدع والمبتدعين بعلم وعدل؛ بل رأيناهم يبدعون من كان على أصول أهل السنة، ومنهجهم؛ ثم وقع في بدعة من البدع الواضحة؛ كبدعة القدر، أو الرفض، أو بدعة الخوارج، أو المرجئة، أو القول بخلق القرآن، أو حتى التوقف في مسألة القرآن؛ فيقول: القرآن كلام الله؛ ثم يتوقف عن قول أهل السنة: (غير مخلوق)، وسموهم الواقفة".
وقال: "لقد كان الرجل يزل زلة واحدة في العقيدة على عهد السلف؛ فيسقطه أئمة السلف، والحديث؛ فهل هم هدامون؛ مفسدون؛ أعداء الدعوة السلفية؟".
وقال: "موقف الإمام أحمد، وأهل الحديث في زمانه؛ من أناس كانوا أئمة في العلم والدين، ومن أهل الحديث؛ وقعوا فيما يسميه أبو الحسن زلة، أو زلات، وقام عليهم أهل السنة، ووسموهم بالبدع، والضلال".
وقال: "فهذا داود كان من كبار علماء الحديث، وله مؤلفات كثيرة في السنة، وإليه انتهت رياسة العلم في بغداد، ومع هذا كله؛ لما قال القرآن محدث (أي مخلوق) بدعه أهل السنة، وما حمل كبار أهل السنة مجمله على مفصله؛ لأنه كان سلفياً؛ كما يقوله غلاة المداهنين، وغلاة التمييع، والتضييع. وجاء داود إلى الإمام أحمد معتذراً، ومنكراً أنه قال بهذه البدعة؛ فلم يصدقه، ولم يأذن له بالدخول عليه؛ فأين حمل المجمل على المفصل الذي اخترعه أهل الأهواء؛ ثم كفوا عنه، وحمل رايته أدعياء السلفية وحماة البدع وأهلها من غلاة التمييع؟ وهؤلاء أئمة السنة يؤلفون عشرات المجلدات في الجرح والتعديل، وهي مليئة بجرح أهل البدع والضعفاء والكذابين، ولا تجد أثراً لهذا المنهج البدعي، ولم يعارضهم لا أهل السنة، ولا أهل البدع بهذا المنهج الباطل الذي اخترع في هذا العصر للدفاع عن أهل الضلال؛ فإذا كان هذا المنهج يمثل العدل؛ فإنه يلزم عليه بأن سلفنا الصالح من محدثين وفقهاء ومؤلفين في العقائد وغيرها؛ كانوا أهل ظلم وغلو؛ حاشاهم ثم حاشاهم، وكبت الله خصومهم المخالفين لمنهجهم، وأصولهم، وكافأهم بما يستحقون".
وقال: "أئمة السلف حكموا على عموم الخوارج والقدرية والشيعة؛ بالبدعة، ولو لم يكن عندهم فلسفة أو محادة؛ لأنهم خالفوا الكتاب والسنة، وأحدثوا في الدين ما ليس فيه بأفهامهم الفاسدة؛ لا لقصدهم المحادة، ولو قصد المبتدع المحادة لله، ومعاندته؛ لكفر، ولكن السلف لم يكفروهم لأنهم متأولون، وعندهم شبه".
وقال: "إنه ليفهم من قول الدكتور إبراهيم: (أهل البدع الذين يخالفون عقيدة أهل السنة ومنهجهم في الاستدلال والتعليم والتدريس والدعوة إلى الله، واتبعوا الأهواء ولم يتأسوا بعلماء أهل السنة بل يتنقصونهم ويغمزونهم ويتفضلون عليهم، هؤلاء مبتدعة ضلال) يفهم من هذا التعريف الطويل الذي قرره هنا ص 39، وأكد هذا التقرير في فهرس الموضوعات ص 48 حيث نقله بنصه، وفصه؛ أن الرجل أو الجماعة لا يحكم عليه أو عليها؛ بالبدعة والضلال؛ إلا إذا اجتمعت فيه أو فيهم؛ كل هذه الأمور. وهذا تعريف، وتقرير عجيب؛ مخالف لأصول، ومنهج أهل السنة والجماعة، وأحكامهم .. السلف لا يشترطون للتبديع اجتماع الصفات التي سردها الدكتور إبراهيم؛ فهم يبدعون؛ بل يكفرون؛ بمفردة واحدة من مفردات العقائد؛ فقد كفروا غلاة القدرية بضلالهم في عقيدة القدر، ونفيهم لعلم الله السابق بما سيعمله العباد، وأن الأمر أنف، وأول من كفرهم بهذا المعتقد؛ عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وأعلن براءته منهم، وأنهم منه براء".
وقال: "إذا كنا نؤمن أن الإسلام صالح لكل زمان، ومكان؛ فما فهمه السلف من الإسلام من كتاب الله، وسنة الرسول، وطبقوه على أهل البدع في عهدهم؛ فهذا يصلح في كل زمان، ومكان إلى أن يرث الله الأرض، ومن عليها؛ ما دام قائماً على الإسلام، وما دمنا نؤمن بصلاحية الإسلام؛ فإن أحكامه التي نزلت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في المؤمنين، وفي الكفار، وفي المنافقين، وفي المخطئين؛ هي صالحة لكل زمان، ومكان؛ لأن هذا دين الله الخالد الصالح لكل زمان ومكان كما نؤمن بذلك، وصالح للتطبيق على اليهود، وعلى النصارى، وعلى الشيوعيين، وعلى الروافض، والخوارج، والمعتزلة، وكل من يمت إليهم بسبب؛ السلف عرفتم منهجهم؛ أنا مثلت بإمام من أئمة السنة: يعقوب بن شيبة؛ صاحب المسند المعلم الذي لم يكتب مثله؛ كما يشهد الذهبي، وغيره؛ هذا الرجل وقع في بدعة؛ الآن لا تعد عندنا شيئاً؛ لكن لضعفنا، ولهوان الإسلام، وعقائده، وشرائعه وشعائره؛ على كثير من الناس؛ الآن يهونون من شأن السنة، ويحامون عن البدع، وأهلها؛ مع الأسف وجدت مناهج من هذا الشكل الرديء، والعياذ بالله؛ طرحت بدل الإسلام الحق؛ هذا يعقوب بن شيبة توقف في القرآن؛ مخلوق أو غير مخلوق؛ ما يدري؛ أيش قيمته عند أحمد، وأهل الحديث في عصره؛ قال أحمد: مبتدع ضال، ووافقه أهل الحديث".
وقال: "المؤاخذة بالزلات هو منهج الاسلام؛ فالزاني يرجم إذا كان محصناً .. والمبتدع بالقدر، أو الرفض، أو الخروج، ونحوها؛ قد بدعه السلف الصالح، وضللوه".
وقال: "فإذا كان هذا المنهج حق (أي: منهج الموازنات)؛ فإن أفجر الناس وأظلمهم على هذا المنهج: مالك، وسعيد بن المسيب، وقبله ابن عباس، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، والحمادان، والبخاري، ومسلم .. إلى آخره؛ كلهم أفجر الناس، وكتب الستة كلها قامت على الفجور والكذب والظلم؛ أنا ما أعرف مكيدة أخبث من هذه المكيدة على الإسلام؛ بل إن رسول الله على رأس هؤلاء؛ فرأس الظالمين رسول الله؛ لأنه ما عنده ميزان".
وقال: "الشاهد أن مذهب الموازنات الذي اخترع في هذه الأيام القريبة، وألفت فيه عدد من الكتب؛ منهج مفتعل؛ لا أساس له من الإسلام".
وقال: "السلف لا يعرفون هذا المنهج، ولا يحابون أهل سنة، ولا أهل بدع".






[1] - وهذا يؤيد ما ذكره عنه مسلمة بن قاسم في (الصلة)؛ حيث قال في ترجمته: "له مذهب سوء في القرآن؛ كان يجعل القرآن قرآنين؛ فالذي في اللوح المحفوظ؛ كلام الله تعالى، والذي بأيدي الناس مخلوق".

منهج السلف الصالح - 13 - الحسن بن صالح بن حي

0 التعليقات

منهج السلف الصالح في التعامل مع أخطاء العلماء - 13 -
الحسن بن صالح بن حي
الحسن بن صالح بن صالح بن حي بن شفي بن هني بن رافع؛ الكوفي؛ الفقيه؛ العابد؛ الحافظ؛ الإمام؛ أبو عبدالله الهمداني؛ الثوري؛ أحد الاعلام.
ولد سنة مائة، ومات سنة تسع وستين، ومائة.
روى عن: أشعث بن سوار، وسعيد بن أبي عروبة، وسلمة بن كهيل، وقيس بن مسلم، ومنصور بن المعتمر، ويزيد بن طهمان، وأبي هارون العبدي، وسماك بن حرب، وسهيل بن أبي صالح، وعطاء بن السائب، وشعبة بن الحجاج، وعاصم بن بهدلة، وعاصم الأحول، وعبدالله بن دينار، وعمرو بن دينار، وأبي إسحاق السبيعي، وليث بن أبي سليم، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن عجلان، وخلق.
وعنه: يحيى بن آدم، وأحمد بن عبدالله بن يونس، وعبدالله بن داود الخريبي، وعبدالله بن المبارك، وعبيدالله بن موسى، وعلي بن الجعد، والفضل بن دكين، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن أبي بكير، والحسن بن عطية، ومحمد بن فضيل، وخلق.
من أقوال أهل العلم فيه:
1-            قال أبو حاتم: "ثقة حافظ متقن".
2-            وقال أبو غسان النهدي: "الحسن بن صالح خير من شريك؛ من هنا إلى خراسان".
3-            وقال: "عجبت لأقوام قدموا سفيان الثوري على الحسن".
4-            وقال أحمد بن حنبل: "ثقة".
5-            وقال: "الحسن أثبت في الحديث من شريك".
6-            وقال: "الحسن بن صالح؛ صحيح الرواية؛ يتفقه؛ صائن لنفسه؛ في الحديث، والورع".
7-            وقال: "قال وكيع: حدثنا الحسن؛ قيل: من الحسن؟ قال: الحسن بن صالح الذي لو رأيته ذكرت سعيد بن جبير، أو شبهته بسعيد بن جبير".
8-            وقال أحمد بن أبي الحواري: "سمعت وكيعاً؛ يقول: لا يبالي من رأى الحسن بن صالح؛ أن لا يرى الربيع بن خثيم".
9-            وقال يحيى بن معين: "ثقة مأمون".
10-      وقال: "ثقة مستقيم الحديث".
11-      وقال: "يكتب رأي الحسن بن صالح، ورأي الأوزاعي، وهؤلاء ثقات".
12-      وقال عثمان بن سعيد: "قلت ليحيى بن معين: علي بن صالح أحب إليك، أو الحسن بن صالح؟ فقال: كلاهما مأمونان ثقتان".
13-      وقال أبو زرعة: "اجتمع فيه إتقان، وفقه، وعبادة، وزهد".
14-      وقال أحمد بن يونس: "جالسته عشرين سنة؛ فما رأيته رفع رأسه إلى السماء، ولا ذكر الدنيا".
15-      وقال أبو نعيم: "حدثنا الحسن بن صالح، وما كان بدون الثوري في الورع، والقوة".
16-      وقال: "انتهى الحسن بن صالح إلى أصل حائط؛ فأخذ مدرة فتمسح بها؛ فدق عليهم الباب؛ فقال: إني أخذت من حائطكم مدرة فتمسحت بها؛ فاجعلوني في حل".
17-      وقال: "ما رأيت أحداً إلا وقد غلط في شيء؛ غير الحسن بن صالح".
18-      وقال: "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: فتشت الورع فلم أجده في شيء أقل من اللسان".
19-      وقال: "كتبت عن ثمانمائة محدث؛ فما رأيت أفضل من الحسن بن صالح".
20-      وقال يحيى بن أبي بكير: "قلنا للحسن بن صالح: صف لنا غسل الميت؛ فما قدر عليه من البكاء".
21-      وقال إسحاق بن خلف: "دخل الحسن بن صالح السوق، وأنا معه؛ فرأى هذا يخيط, وهذا يصنع؛ فبكى ثم قال: انظر إليهم؛ يتعللون حتى يأتيهم الموت".
22-      وقال عبدة بن سليمان: "إني أرى الله يستحي أن يعذب الحسن بن صالح".
23-      وقال ابن عدي: "هو عندي من أهل الصدق".
24-      وقال عبيدالله بن موسى: "كنت أقرأ على علي؛ أخي الحسن بن صالح؛ فلما بلغت: }فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ{؛ سقط الحسن بن صالح يخور كما يخور الثور؛ فقام إليه أخوه؛ فرفعه، ومسح وجهه، ورش عليه الماء، وأسنده إليه".
25-      وقال وكيع: "كان الحسن، وعلي ابنا صالح، وأمهما قد جزأوا الليل ثلاثة أجزاء؛ فكل واحد يقوم ثلاثاً؛ فماتت أمهما؛ فاقتسما الليل بينهما؛ ثم مات علي؛ فقام الحسن الليل كله".
26-      وقال: "ما لقي الحسن أحداً؛ إلا وهو خير منه".
27-      وقال أبو سلميان الداراني: "ما رأيت أحداً الخوف أظهر على وجهه من الحسن بن صالح؛ قام ليلة بـ }عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ{؛ فغشى عليه فلم يختمها إلى الفجر".
28-      وقال ابن حبان: "كان فقيهاً ورعاً؛ من المتقشفة الخشن، وممن تجرد للعبادة، ورفض الرئاسة؛ على تشيع فيه".
29-      وقال: "كان من المتقنين، وأهل الفضل في الدين".
30-      وقال العجلي: "الحسن بن صالح؛ كوفي ثقة متعبد؛ رجل صالح، من أسنان سفيان، وكان ثبتاً، وكان يتشيع، وكان فقيهاً".
31-      وقال: "باع حسن جارية؛ فلما صارت عند الذي اشتراها؛ قامت في جوف الليل فقالت: يا أيتها الدار الصلاة الصلاة؛ قالوا: طلع الفجر؟ قالت: وليس تصلون إلا المكتوبة؟ قالوا: نعم ليس نصلي إلا المكتوبة؛ فرجعت إلى حسن؛ فقالت: بعتني من قوم سوء؛ ليس يصلون بالليل؛ فردني؛ فردها".
32-      وقال عبدالرحيم بن مطرف: "كان الحسن بن صالح إذا أراد أن يعظ أخاً من إخوانه؛ كتبه في ألواحه؛ ثم ناوله".
33-      وقال الساجي: "الحسن بن صالح؛ صدوق، وكان يتشيع، وكان وكيع يحدث عنه، ويقدمه، وكان يحيى بن سعيد؛ يقول: ليس في السكة مثله، وحكي عن يحيى بن معين؛ أنه قال: ثقة ثقة".
34-      وقال سليمان بن إدريس المقري: "اشتهى الحسن بن صالح سمكة؛ فلما أتي بها، ومد يده إلى سرة السمكة؛ اضطربت يده فأمر به فرفع ولم يأكل منه شيئاً؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: إني ذكرت لما ضربت بيدي إلى بطنها؛ أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه؛ فلم أقدر أن أذوقه".
35-      وقال النسائي: "ثقة".
36-      وقال عبدالرحمن بن مصعب المعني: "صحبت السادة؛ سفيان الثوري، وصحبت ابني حي - يعني: علياً والحسن ابني صالح بن حي - وصحبت وهيب بن الورد".
37-      وقال إسماعيل بن حماد: "الحسن أفقه الثلاثة؛ يعني شريكاً، والثوري، وهو".
38-      وقال يحيى بن آدم: "إنما كان فقهاؤنا ثلاثة: الحسن، والثوري، وشريك".
39-      وقال عبدالقدوس بن بكر بن خنيس: "كان يقال للحسن: حية الوادي - يعني لا ينام بالليل - وكان يقول: إني أستحيي من الله تعالى أن أنام تكلفاً حتى يكون النوم هو الذي يصير عني؛ فإذا أنا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائماً؛ فلا أرقد الله عيني, وكان لا يقبل من أحد شيئاً؛ فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد؛ فيقول: أنا جائع؛ فيعلله بشيء حتى يذهب الخادم إلى السوق فيبيع ما غزلت مولاته من الليل, ويشترى قطناً, ويشترى شيئاً من الشعير؛ فيجيء به فتطحنه ثم تعجنه؛ فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم, وترفع له ولأهله لإفطارهما؛ فلم يزل على ذلك رحمه الله".
40-      وقال ابن سعد: "كان ناسكاً عابداً فقيهاً حجة صحيح الحديث كثيره، وكان متشيعاً".
41-      وقال الدارقطني: "ثقة عابد".
42-      وقال ابن قانع: "كان الحسن توأم علي، وولد علي قبله؛ فكان الحسن يوقره ويبجله بسبب ذلك، ومات بعد علي بعشر سنين، وكان فقيهاً".
43-      وقال يحيى بن أبي بكير: "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: "لا تفقه حتى لا تبالي في يد من كانت الدنيا".
44-      وقال أبو غسان النهدي: "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: "إن الشيطان ليفتح للعبد تسعة وتسعين باباً من الخير يريد به باباً من السوء".
45-      وقال "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: العمل بالحسنة قوة في البدن, ونور في القلب, وضوء في البصر, والعمل بالسيئة وهن في البدن, وظلمة في القلب, وعمي في البصر".
46-      وقال: "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: "الليل والنهار يبليان كل جديد, ويقربان كل بعيد, ويأتيان بكل موعود ووعيد، ويقول النهار: ابن آدم؛ اغتنمني فإنك لا تدري لعله لا يوم لك بعدي, ويقول له الليل مثل ذلك".
47-       وقال حميد بن عبدالرحمن: "سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: ربما أصبحت وما معي درهم، وكأن الدنيا قد حيزت لي".
48-      وقال: "كنت عند علي والحسن ابني صالح, ورجل يقرأ: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ}؛ فالتفت علي إلى الحسن، وقد اصفار، واخضار؛ فقال: يا حسن؛ إنها أفزاع فوق أفزاع, ورأيت الحسن أراد أن يصيح؛ ثم جمع ثوبه؛ فعض عليه حتى سكن؛ فسكن عنه، وقد ذبل فمه، واخضار، واصفار".
49-      وقال عباد أبو عتبة: "بعنا جارية للحسن بن صالح؛ فقال: أخبروهم أنها تنخمت عندنا مرة دماً".
50-      وقال محمد بن داود بن عبدالله: "سمعت يحيى بن يونس - وذكر عنده الحسن بن صالح - فقال: ما أجيء في وقت صلاة؛ إلا أُنزل به مغشياً عليه؛ ينظر إلى المقبرة فيصرخ، ويغشى عليه".
ما أخذه أهل العلم على الحسن:
1-            قال أبو نعيم: "ذكر ابن حي عند الثوري؛ فقال: ذاك يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم".
2-            وقال زافر بن سليمان: "أردت الحج؛ فقال لي الحسن بن صالح: أن لقيت الثوري فأقرئه منى السلام، وقل: إنا على الأمر الأول. فلقيت سفيان فأبلغته؛ قال: فما بال الجمعة؛ فما بال الجمعة".
3-            وقال خلاد بن يزيد الجعفي: "جاءني سفيان بن سعيد إلى هاهنا؛ فقال: الحسن بن صالح؛ مع ما سمع من العلم والفقه؛ يترك الجمعة. ثم قام فذهب".
4-            وقال عبدالله بن إدريس: "ما أنا وابن حي؛ لا يرى جمعة، ولا جهاداً".
5-            وقال يوسف بن أسباط: "كان الحسن بن حي يرى السيف".
6-            وقال أحمد بن حنبل: "ما يعجبنا مذهب الحسن بن صالح؛ كان قد قعد عن الجمعة".
7-            وقال الجوزجاني: "كان الحسن بن صالح يغلو في مذهبه".
قلت:
كانت فيه خارجية؛ فقد كان يرى الخروج على أمراء زمانه؛ لظلمهم، وجورهم؛ كما كان متشيعاً يقدم علياً على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم.
أما الخروج: فرغم كونه يراه؛ إلا أنه ما قاتل أبداً، ولا رفع سيفاً؛ قال يحيى بن آدم: "هاهنا قوم ينتحلون قول الحسن بن صالح بن حي؛ قد هلكوا، وقد سمعت الحسن بن صالح؛ يقول: لا أخرج، وإمام قائم، ولا أخرج إلا في فرقة، ولا أخرج إلا في جند يوازي عدوي؛ لا ألقي بيدي إلى التهلكة، ولا أخرج إلا مع إمام فيه شرائع السنن كلها، إن كانت السنن مائة شريعة، وكان فيه منها تسع وتسعون شريعة؛ لم أخرج معه". وقال عبدالله بن داود الخريبي: "جاء فلان فناظره ليلة؛ فذهب الحسن إلى ترك الجمعة معهم، والخروج عليهم بالسيف"، ويقال: "إن جعفر الأحمر هو الذي حمل الحسن بن صالح على ترك الجمعة؛ فقال الحسن: إني أعيد؛ فقال جعفر: لعل إنساناً يراك؛ فيقتدي بك".
وأما التشيع: فقد قال يحيى بن معين: "ذاك شيخ كان يقدم علياً على أبي بكر وعمر، ويتولى عثمان ست سنين، ويقف عنه ستاً، وكان يشهد على كل من حارب علياً بالكفر في وقت حربه، وكان يرى الخروج مع كل طالبي إذا كان عدلاً، وكان خروجه وعدالته عنده توجب الخروج، والله المستعان". وعده أبو المظفر الإسفراييني: رئيس الطائفة المعروفة بالصالحة، وهي طائفة من الزيدية، وقال ابن عدي: "هو في جملة متشيعة الكوفة". قال ابن تيمية: "وقد اتهم بمذهب الزيدية؛ الحسن بن صالح بن حي، وكان فقيهاً صالحاً زاهداً، وقيل: إن ذلك كذب عليه، ولم ينقل أحد عنه: إنه طعن في أبي بكر، وعمر؛ فضلاً عن أن يشك في إمامتهما". وقال أبو داود: "كان الحسن بن صالح إذا ذكر عثمان؛ سكت يعني لم يترحم عليه، وترك الحسن بن صالح الجمعة سبع سنين".
ومهما يكن من شيء؛ فالتهمتان ثابتتان عليه؛ الخروج وتقدم الكلام فيه، والتشيع سواء كان يفضل علياً على عثمان، أو على أبي بكر وعمر.
فماذا فعل الأئمة تجاهه، وقد تلبس بهاتين البدعتين؟
هل نظروا إلى علمه، وزهده، وورعه، وموافقته للسلف في أغلب المسائل؛ أم نظروا إلى ما خالف فيه، وحكموا عليه بموجبه، ولم يلتفتوا إلى شيء مما ذكرنا من صفاته، أو إلى موافقته لأهل السنة في غالب أصوله؟
لا شك أنهم لم يلتفتوا إلى شيء من ذلك؛ بل بدعوه بمجرد ركوبه البدعة، وذموه، وهجروه، وحذروا منه.
1-            قال أبو معمر: "كنا عند وكيع؛ فكان إذا حدث عن الحسن بن صالح أمسكنا أيدينا فلم نكتب؛ فقال: ما لكم لا تكتبون؛ حديث حسن؟ فقال له أخي بيده - هكذا - يعنى أنه كان يرى السيف؛ فسكت وكيع".
2-            وقال العجلي: "كان ابن المبارك يحمل عليه بعض الحمل؛ لحال التشيع، ولم يرو عنه شيئاً".
3-            وقال علي بن حرب الموصلي: "سمعت أبي يقول: قلت لعبدالله بن داود الخريبي: إنك لكثير الحديث عن ابن حي؛ قال: أقضي به ذمام أصحاب الحديث؛ لم يكن بشيء؛ لم يكن بشيء".
4-            وقال نصر بن علي: "كنت عند عبدالله بن داود، وعنده أبو أحمد الزبيري؛ فجعل أبو أحمد يفخم الحسن بن صالح؛ فقال له ابن داود: متعت بك؛ نحن أعلم بحسن منك؛ إن حسناً كان معجباً، والمعجب الأحمق".
5-            وقال علي بن الجعد: "كنت مع زائدة في طريق مكة؛ فقال لنا يوماً أيكم يحفظ عن مغيرة عن إبراهيم أنه توضأ بكوز الحب مرتين؟ فلو قلتُ: حدثنا شريك، أو سفيان؛ كنت قد استرحت، ولكن قلتُ: حدثنا الحسن بن صالح عن مغيرة؛ فقال زائدة: والحسن بن صالح أيضاً؟ لا حدثتك بحديث أبداً".
6-            وقال خلف بن تميم: "كان زائدة يستتيب من أتى الحسن بن حي".
7-            وقال أحمد بن يونس: "لو لم يولد الحسن بن صالح؛ لكان خيراً له".
8-            وقال يحيى بن سعيد القطان: "كان سفيان الثوري سيء الرأي في الحسن بن حي".
9-            وقال أحمد بن حنبل: "علي بن صالح صالح الحديث، ولكن حسن بن صالح أخوه".
10-      وقال: "كان يرى السيف، وسفيان أحب إلينا منه، وقد كان ابن حي ترك الجمعة بآخره، وقد كان أفتن الناس بسكوته، وورعه".
11-      وقال ابن المثنى: "ما سمعت يحيى، ولا ابن مهدي؛ يحدثان عن ابن حي بشيء قط".
12-      وقال عمرو بن علي الفلاس: "سألت عبدالرحمن عن حديث من حديث الحسن بن صالح؛ فأبى أن يحدثني به، وكان حدث عنه ثم تركه".
13-      وقال أبو نعيم: "دخل الثوري يوم الجمعة؛ فرأى الحسن بن صالح يصلى؛ فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق، وأخذ نعليه فتحول إلى سارية أخرى".
14-      وقال زائدة بن قدامة: "ابن حي هذا قد استصلب منذ زمان، وما يجد أحداً يصلبه".
15-      وقال أبو صالح الفراء: "حكيت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن؛ فقال: ذاك يشبه أستاذه - يعنى الحسن بن حي - قلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لم يا أحمق؛ أنا خير لهؤلاء من أمهاتهم، وآبائهم؛ أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا؛ فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم".
16-      وقال عبدالله بن إدريس - وذكر له صعق الحسن بن صالح -: "تبسم سفيان أحب إلينا من صعق الحسن بن صالح".
هذا هو منهج السلف الصالح في التعامل مع الحسن وأمثاله؛ من جبال العلم، والحفظ، والورع؛ ممن تلبسوا ببدعة.
فكيف بمن تربوا على البدعة، ورضعوا لبانها، وبعضهم تلبس بالكفريات؛ فنفى العلو، والاستواء، والفوقية، وكثيراً من الصفات، وما أثبته فوض معناه؛ فضلاً عن دعوته للشرك الأكبر، والاعتقاد في الأولياء، والأقطاب، والخرق؟
لا شك أن تعاملهم سيختلف مع أمثال هؤلاء المبتدعة والزنادقة؛ قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: "سألت أبي: ما تقول في رجل قال: التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق؟ فقال: «هذا كافر، وهو فوق المبتدع، وهذا كلام الجهمية»؛ قلت: ما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعاً؟ فقال: «هذا يجانب، وهو فوق المبتدع، وهذا كلام الجهمية»".
أما الخلف؛ فليتهم تركوا غيرهم يصرح بتبديعهم، أو حتى سكتوا فلم يمدحوهم، أو يذموهم؛ بل وصفوهم بالإمامة، ونصبوا العداوة لكل من تكلم فيهم، وحاربوه بكل الوسائل، وطعنوا فيه، وبدعوه، وهجروه.
ولئن سألتهم: من هؤلاء الذين تغارون عليهم كغيرتكم على أنفسكم، وتعادون أهل السنة من أجلهم؟ هل هم: ابن المسيب، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وابن إدريس، والشافعي، وأحمد، والدارمي، وأمثالهم من أئمة العلم، والدين؟
قالوا: لا؛ بل أئمتنا الذين نحامي عنهم، ولا نقبل الكلام فيهم؛ هم: أبو حنيفة، والطحاوي، وابن حزم، والبيهقي، والنووي، والذهبي، وابن حجر، والهيتمي، والسيوطي، وابن الوزير، والمقبلي، والشوكاني، والصنعاني، والألباني، والوادعي، والجامي، وربيع المدخلي، وأمثالهم من المبتدعة.
ولا عجب؛ فمن يكن الغراب له دليلاً مر به على جيف الكلاب.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة